الجصاص

148

أحكام القرآن

سأله عن وجه الدلالة من الآية على ما ذكر ، فلم يبين وجهها واشتغل بأن هذا محرم وهذا حلال ، فإن كان هذا السائل من عمى القلب بالمحل الذي لم يعرف بين النكاح وبين الزنا فرقا من وجه من الوجوه فمثله لا يستحق الجواب لأنه مؤوف العقل ، إذ العاقل لا ينزل نفسه بهذه المنزلة من التجاهل ، وإن كان قد عرف الفرق بينهما من جهة أن أحدهما محظور والآخر مباح وإنما سأله أن يفرق بينهما في امتناع جواز اجتماعهما في إيجاب تحريم النكاح ، فإن الشافعي لم يجبه عن ذلك ولم يزده على تلاوة الآيتين في الإباحة والحظر وأن الحلال ضد الحرام ، إذ ليس في كون الحلال ضد الحرام ما يمنع اجتماعهما في إيجاب التحريم ، ألا ترى أن الوطء بالنكاح الفاسد هو حرام ووطء الحائض حرام بنص التنزيل واتفاق المسلمين وهو ضد الوطء الحلال وهما متساويان في إيجاب التحريم ، والطلاق في الحيض محظور وفي الطهر قبل الجماع مباح وهما متساويان فيما يتعلق فقال بهما من إيجاب التحريم ؟ فإن كان عند الشافعي أن القياس ممتنع في الضدين فواجب أن لا يجتمعا أبدا في حكم واحد ، ومعلوم أن في الشريعة اجتماع الضدين في حكم واحد وأن كونهما ضدين لا يمنع اجتماعهما في أحكام كثيرة ، ألا ترى أن ورود النص جائز بمثله وما جاز ورود النص به ساغ فيه القياس عند قيام الدلالة عليه ؟ فإذا لم يكن ممتنعا في العقل ولا في الشرع اجتماع الضدين في حكم واحد فقوله : " إن الحلال ضد الحرام " ليس بموجب للفرق بينهما من حيث سأله السائل . ويدل على أن ذلك غير ممتنع أن الله تعالى قد نهى المصلي عن المشي في الصلاة وعن الاضطجاع فيها من غير ضرورة ، والمشي والاضطجاع ضدان وقد اجتمعا في النهي ، ولا يحتاج في ذلك إلى الإكثار ، إذ ليس يمتنع أحد من إجازته ، فلم يحصل من قول الشافعي : " إنهما ضدان " معنى يوجب الفرق بينهما . ثم حكى عن السائل أنه قال : أجد جماعا وجماعا فأقيس أحدهما بالآخر ، قال : " قلت : وجدت جماعا حلالا حمدت به ووجدت جماعا حراما رجمت به أفرأيته يشبهه ؟ " قال : ما يشبهه ، فهل توضحه بأكثر من هذا ؟ . قال : أبو بكر : فقد سلم له السائل أنه ما يشبهه ، فإن كان مراده أنه لا يشبهه من حيث افترقا فهذا ما لا ينازع فيه ، وإن كان أراد لا يشبهه من حيث رام الجمع بينهما من جهة إيجاب التحريم فإنه لم يأت بدليل ينفي الشبه بينهما من هذه الجهة ، وليس في الدنيا قياس إلا وهو تشبيه للشئ بغيره من بعض الوجوه دون جميعها ، فإن كان افتراق الشيئين من وجه يوجب الفرق بينهما من سائر الوجوه فإن في ذلك إبطال القياس أصلا ، إذ ليس يجوز وجود القياس فيما اشتبها فيه من سائر الوجوه ، فقد بان أن ما قاله الشافعي وما سلمه له السائل كلام فارغ لا معنى تحته في حكم ما سئل عنه .